بيان تحالف ندى بمناسبة 8 آذار – اليوم العالمي للمرأة الكادحة "نساء يناضلن من أجل العدالة والمساواة والسلام"
“نساء يناضلن من أجل العدالة والمساواة والسلام”
في الثامن من آذار، حين تخرج النساء في شتى بقاع الأرض رافعات شعارات الحرية والمساواة، يستحضر نضالنا اليومي معنى هذا اليوم. إنه ليس مجرد احتفاء عابر، بل هو محطة نضالية نابضة، نستذكر فيها نضالات من سبقننا، ونستعرض فيها قوة حضورنا، ونُجدّد فيها العهد على مواصلة الطريق حتى انتزاع كل حقوقنا. في هذا اليوم، نؤكد أن نضال النساء ليس ترفاً فكرياً أو رفاهية سياسية، بل هو ضرورة وجودية لبناء مجتمعات تتسع للجميع.
في الثامن من آذار، اليوم العالمي للمرأة، نرفع في تحالف ندى صوتنا عالياً، صوتاً يليق بكرامة النساء في منطقتنا، صوتاً يواجه الحروب والاحتلال، الإبادة والاستغلال، والرجعية التي تحاصر أحلام النساء وتقيّد خطواتهن، وتمنعهن من المضي في طريق الحرية والعدالة.
لقد كانت المرأة، منذ فجر التاريخ، حجر الأساس في بناء الحضارات، وركناً أصيلاً في صياغة المجتمعات وإرثها الثقافي. وعندما حاولت قوى القهر والتهميش أن تُقصيها، لم تتوانَ عن حمل راية النضال، لتثبت أنّها ليست مجرد ضحية، بل فاعلة في صناعة التاريخ والمستقبل.
اليوم، وبعد تاريخ مشرف للنساء في المنطقة، نجد أنفسنا أمام واقع مأساوي: نساء يعشن تحت ويلات الإبادة في ظل حروب الاحتلال، كما نشهده في فلسطين، وخاصة في غزة، حيث تُستهدف النساء والأطفال بلا رحمة. وهنا لا يمكننا فصل سياسات الاحتلال عن الإطار الإمبريالي الذي يدعمها ويوفر الغطاء السياسي والعسكري لها. فالإمبريالية، بتحالفاتها وهيمنتها على المؤسسات الدولية، هي الراعي الرسمي لهذا الاحتلال وهي الشريك الأساسي في جرائمه ضد شعبنا، وضد النساء الفلسطينيات خصوصاً، اللواتي يقعن ضحية لأبشع أشكال العنف الممنهج في ظل صمت دولي متواطئ.
في السودان وسوريا واليمن والصومال وقضاء سنجار في العراق، تُسجل الإحصاءات قصصاً مروعة عن القتل والدمار والنزاعات المسلحة، حيث تُستهدف النساء على أساس الهوية العرقية والقومية والدينية والطائفية والقبلية، وتُدفع النساء إلى النزوح والعيش في ظروف معيشية قاهرة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. لقد بلغ عدد النازحات واللاجئات مئات الآلاف، في مخيمات فلسطين وسوريا والسودان واليمن ولبنان، وهنّ الأكثر هشاشة في مواجهة الفقر والعنف والحرمان.
العنف، بدوره، يظل سيفاً مسلّطاً على النساء. حيث تشير تقارير إقليمية إلى أنّ واحدة من كل ثلاث نساء في المنطقة قد تعرضت لشكل من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي في حياتها، فيما يرى الغالبية أن العنف ضد النساء قد ازداد في السنوات الأخيرة. هذا العنف يتخذ أشكالًا متعددة: من العنف الأسري إلى التحرش المشرعن اجتماعياً، ومن الاستهداف السياسي إلى الاغتيالات والاعتقالات بحق الناشطات والمناضلات.
كما نشهد على تراجع الحقوق الدستورية وتكميم الحريات السياسية في دول المنطقة أجمع، حيث تُحاصر النساء بقوانين تسلطية، قوانين تعيد إنتاج التمييز وتمنع المشاركة الفاعلة في الحياة العامة. اضافة الى الرجعية، وهي بكل تجلياتها، ليست مجرد بقايا الماضي، بل هي مشروع سياسي واجتماعي متجدد، يسعى إلى إعادة إنتاج علاقات الهيمنة الذكورية، وتكريس مفاهيم المواطنة المنتقصة، واختزال المرأة في وظيفتها البيولوجية فقط.
ورغم أنّ النساء في المنطقة يحققن نسباً عالية في التعليم، إلا أنّ مشاركتهن في سوق العمل تبقى الأدنى عالمياً، وهذه المفارقة تكشف حجم التهميش الاقتصادي الذي يُفرض عليهن، ويُبقيهن في دائرة البطالة والاستغلال. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المدمر للسياسات النيوليبرالية، التي حوّلت الخدمات الأساسية (كالصحة والتعليم) إلى سلع في السوق، ووسّعت فجوة التفاوت الطبقي، وجعلت النساء في الخطوط الأمامية لتحمل تبعات الفقر وتراجع دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية. هذه السياسات عمّقت هشاشة أوضاع النساء العاملات، وضاعفت أعباءهن، وفرضت عليهن نمط حياة قاسية تحت وطأة الحاجة.
لا يمكن للسلطات الاستبدادية والمجتمعات الذكورية أن تُحكم قبضتها إلا عبر تجهيل النساء، إمّا بجعلها أمية لا تعرف حقوقها، أو عبر تعليمها تعليماً مليئاً بالمغالطات المعرفية والفكرية والسرديات المضلِّلة، فتجهل حقوقها وتاريخها ونضالها. الأنظمة تدير الدولة ومؤسساتها وتوظف الدين (التحريفات) وفق منظور ذكوري، تجعل التجهيل أداة لإدامة التمييز والإقصاء والهيمنة. ويُستكمل هذا عبر الغزو الثقافي والإعلامي الذي يفرض صوراً نمطية للمرأة، ويُشيّئها ويُحوّلها إلى سلعة، خاصة في الإعلام، حيث تُختزل المرأة في صورة سطحية بعيدة عن واقعها ونضالها.
إن ما يشهده العالم اليوم من تصعيد عسكري في المنطقة، وتحديداً في إطار الهجوم الأمريكي الاسرائيلي على ايران في الأيام الراهنة، هو تجسيد لكل أشكال الغطرسة التي أعلن المجتمع الدولي تجاوزها ردحاً من الزمن. إذ نندد بشدّة باستخدام القوة العسكرية بهدف فرض إرادة دولة على أخرى، في انتهاك صريح لمبدأ احترام سيادة الدول وتهديد خطير للسلم والأمن الدوليين. لقد طورت الدول عبر محافلها الدولية آليات سلمية لفض النزاعات، كفيلة بضمان عدم انزلاق العالم إلى فوضى الحروب ومنطق “شريعة الغاب” الذي لا يراعي حقاً ولا يحترم قانوناً. إن غطرسة القوة، مهما كان مصدرها، هي عودة الانسانية الى عصور الهمجية، ولا يمكن السكوت عنها تحت أي ذريعة كانت.
حق الشعوب في تقرير المصير هو حق أصيل في نضالها المشروع لأجل الديمقراطية والعيش الكريم، تصنعه الشعوب بمقاوماتها ونضالاتها. ولاتتحقق بحروب يعتدي فيه المحتل والقوى الامبريالية على سيادة الدول وأمن شعوبها. مرة أخرى ندين ونشدد على ضرورة ايقاف اراقة الدماء واستهداف المدنيين في القصف العبثي، والتي ذهبت ضحيتها العشرات من الطلبة الفتيات في مدارسهن (على سبيل المثال وليس الحصر) في ايران والعديد من الضحايا المدنيين في لبنان، ونناشد الى تسييد لغة الدبلوماسية والحوار والمفاوضات المبني على احترام ارادة الشعوب أولاً، واحترام سيادة الدول ثانياً، وإعلاء القانون فوق منطق القوة، فالسلام الدولي الحقيقي لايبنى بالحرب وآلة الموت.
لقد بتنا شاهدات على تراجع المكاسب التي حققتها المرأة عبر التاريخ، والهجوم يزداد شراسة، حتى باتت المرأة تعمل فقط على حماية ما هو موجود، بدلًا من تطويره وتوسيعه. أمام هذا الواقع، نعلن مطالبنا بوضوح، مطالب تنبع من وجع النساء ومن إرادتهن في التغيير:
– نرفض التعاطي الخامل والسلبي مع قضايا النساء، ونؤكد أنّ النضال الراديكالي هو الطريق لمواجهة الأنظمة الرجعية والذكورية.
– نطالب بتثبيت حقوق النساء في التشريعات والقوانين، وضمان مشاركتهن في مراكز صنع القرار السياسي والاقتصادي، وزيادة نسب مشاركتهن في الأجهزة الإدارية والتشريعية.
– نؤكد أنّ التنوير والوعي المجتمعي شرط للتقدم، وأن العدالة والتنمية المستدامة لا تتحقق دون النساء.
– نطالب بالكشف عن مرتكبي جرائم الحرب، ومحاسبة من استهدف الناشطات بالاغتيال أو الاعتقال، فالعدالة حق لا يُساوم عليه.
– نطالب بالإفراج الفوري عن الأسيرات والمعتقلات من الناشطات والمناضلات، وإعادة الاعتبار لكرامتهن.
– نوجه نداءً للحركات النسائية الأممية والإقليمية للتضامن، وتشكيل جبهة نسائية شاملة قادرة على مواجهة التحديات المشتركة.
كما نحمّل المنظمات الدولية مسؤولية التدخلات التي تنتهك السيادة الوطنية وتؤثر مباشرة على النساء، ونطالبها بالتحرك الجاد لحماية حقوق المرأة في منطقتنا.
إنّ النساء هن عماد بناء السلم الأهلي والمجتمعي، وبدون مشاركتهن الفاعلة لا يمكن الحديث عن مستقبل عادل أو تنمية مستدامة. في يوم المرأة العالمي، نؤكد أنّ نضالنا مستمر، وأن أصوات النساء ستظل عالية في مواجهة الحروب، الاحتلال، الرجعية، والتمييز، حتى تتحقق العدالة والحرية والكرامة.
عاشت نضال المرأة من أجل الحرية والعدالة والكرامة.
تحالف ندى (التحالف النسائي الديمقراطي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)
6 آذار 2026