قال: 8 آذار… أيُّ عيدٍ للمرأة العراقية؟

📌بقلم: بشرى أبو العيس – العراق
يحل الثامن من آذار كل عام بوصفه يوماً عالمياً للاحتفاء بنضال النساء وحقوقهن، غير أنه في السياق العراقي لا يأتي محملاً بالفرح، بقدر ما يأتي مثقلاً بالأسئلة والقلق. فكيف يُحتفل بالمرأة، فيما واقعها يشهد تراجعاً قانونياً واجتماعياً، وتضييقاً متصاعداً على حضورها في المجال العام، في ظل منظومة حكم تعيد إنتاج التمييز وتبرر انتهاك الحقوق؟
لقد شهدت السنوات الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم ١٨٨ لسنة ١٩٥٩ على نحوٍ يهدّد ما راكمته النساء العراقيات من مكتسبات تاريخية، ويُضعف ضماناتهن في الزواج والطلاق والحضانة، ويفتح المجال مجدداً أمام زواج القاصرات، بما يحمله من آثار مدمّرة على مستقبل الفتيات والمجتمع بأسره.
وفي الوقت نفسه، ما تزال النساء يواجهن العنف الأسري بأشكاله المختلفة، في ظلّ غياب تشريع رادع وفعّال يوفّر الحماية الحقيقية للضحايا. كما تستمرّ جرائم “الشرف” في حصد الأرواح، مستندةً إلى ثقافة تبريرية، وإلى مواد قانونية في قانون العقوبات تُخفّف العقوبة عن الجناة، وتمنحهم غطاءً اجتماعياً وقانونياً للإفلات من المساءلة.
ورغم المطالبات المستمرة بتعديل هذه المواد الجائرة، وبإصلاح قانون العقوبات بما ينسجم مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، فإنّ الإرادة السياسية الجادّة ما تزال غائبة، وتُواجَه هذه المطالب بالتسويف أو الرفض، بما يُبقي النساء في دائرة الخطر الدائم.
وفي موازاة ذلك، تتعرض النساء لأشكال متعددة من التمييز والتحرش في أماكن العمل والفضاء العام، وللعنف الرقمي وحملات التشهير عبر وسائل التواصل، فضلاً عن تهميش فرصهن في التقدّم المهني والمشاركة في صنع القرار.
أما النساء الناشطات في مجالات المجتمع المدني والسياسة والإعلام والعمل الحقوقي، فيواجهن بشكل خاص التضييق والتهديد والترهيب ومحاولات الإقصاء، في مسعى ممنهج لإسكات الأصوات النسوية الحرة، وتقييد أي دور نقدي مستقل في المجتمع.
إنّ هذه الانتهاكات المتراكمة لا تمثل حالات فردية أو استثناءات عابرة، بل تكشف عن أزمةٍ بنيوية في بنية الدولة والمجتمع، وعن هيمنة منظومة فكرية وسياسية رجعية تسعى إلى إعادة النساء إلى مواقع التبعية، وتقليص حضورهن في الحياة العامة، وحصر أدوارهن في أطر ضيقة.
من هنا، فإن الثامن من آذار، بالنسبة للمرأة العراقية، ليس مناسبةً للاحتفال الشكلي، ولا للخطابات المنمقة، بل محطةً للنضال والمساءلة والمطالبة الجادة:
بدولةٍ مدنيةٍ عادلة، وقوانين منصفة، وتشريعات تحمي النساء من العنف الأسري وجرائم الشرف، وتُجرّم التحرش والتمييز، وتضمن العمل الكريم والأمان في الواقعين المادي والرقمي.
في هذا اليوم، نؤكد أن حقوق النساء ليست منّةً من أحد، بل استحقاقٌ إنساني ودستوري، وأن كرامتهن وحريتهن هما معيار عدالة أي مجتمع.
ولا يمكن لعراقٍ ديمقراطي حقيقي أن يُبنى، ما لم تكن المرأة فيه شريكةً كاملة، حرة، وآمنة، وقادرة على صناعة مصيرها بوعيٍ وإرادة.
أذار 2026
📌مقالات (اصوات من ندى) في اليوم العالمي للمرأة