:
في كل عام، يأتي الثامن من آذار محمّلًا بعبارات التهنئة وصور الورود، وكأن العالم قرر أن يمنح المرأة يومًا من الاعتراف بعد عامٍ كامل من التجاهل. غير أن اليوم العالمي للمرأة، في جوهره، لم يكن يومًا احتفاليًا بقدر ما كان فعلًا احتجاجيًا ضد بنية تاريخية همّشت النساء وأقصتهن عن مراكز القرار والمعرفة.
إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الخطاب حول تمكين المرأة توسّع، بينما ما تزال الذهنية الذكورية تمارس حضورها العميق في الثقافة والمؤسسات والعلاقات اليومية. فالتمييز لم يعد دائمًا صريحًا أو قانونيًا فحسب، بل أصبح أكثر تعقيدًا وخفاءً؛ يتسلل عبر اللغة، والتوقعات الاجتماعية، وأنماط التربية، وحتى عبر المزاح العابر الذي يرسّخ صورة نمطية تقلل من قدرات النساء.
الذهنية الذكورية ليست مجرد سلوك فردي، بل هي منظومة فكرية تعيد إنتاج نفسها باستمرار. تبدأ من الأسرة حين يُربّى الصبي على القيادة والفتاة على الامتثال، وتستمر في المدرسة التي قد تكرّس أدوارًا تقليدية، وتترسخ في سوق العمل حيث ما تزال فجوة الأجور والفرص قائمة، وتبلغ ذروتها في مواقع القرار التي ما يزال حضور المرأة فيها أقل من تمثيلها العددي في المجتمع.
أما الجنسوية، فهي الوجه العملي لهذه الذهنية؛ تظهر في التشكيك بكفاءة المرأة، وفي محاسبتها على خيارات لا يُحاسَب عليها الرجل، وفي تحميلها عبء الشرف الاجتماعي أو المسؤولية الأخلاقية عن سلوك الآخرين. وهي أيضًا ذلك الضغط الخفي الذي يفرض عليها أن تكون ناجحة دون أن تبدو “متسلطة”، قوية دون أن تُتَّهم بالقسوة، مستقلة دون أن تُتَّهم بالأنانية.
وفي سياقات الأزمات والحروب، تتضاعف الأعباء. فالمرأة لا تواجه فقط التمييز الجندري، بل تتحمل أدوارًا إضافية في الإعالة والرعاية والصمود، بينما تبقى مشاركتها في صناعة القرار السياسي محدودة. ومع ذلك، أثبتت تجارب عديدة أن النساء كنّ في الصفوف الأمامية للعمل المجتمعي والإنساني، وأن حضورهن ليس تكميليًا بل تأسيسيًا لأي مشروع سلام أو إعادة بناء.
إن الاحتفاء بيوم المرأة يجب ألّا يتحول إلى ممارسة رمزية تبرّئ الضمير الجمعي. فالمساواة لا تتحقق عبر خطاب عاطفي عابر، بل عبر مراجعة نقدية للبنية الثقافية التي تنتج التمييز. ويتطلب ذلك إصلاحًا تربويًا يعيد صياغة مفاهيم القوة والقيادة بعيدًا عن احتكارها الذكوري، وإصلاحًا قانونيًا يزيل كل أشكال التمييز، وتمكينًا اقتصاديًا يضمن استقلالية النساء، إضافة إلى إنتاج معرفة نقدية تفضح آليات الهيمنة الرمزية.
في الثامن من آذار، لا يكفي أن نسأل: ماذا حققت المرأة؟
السؤال الأعمق هو: ماذا فعل المجتمع لتفكيك الذهنية التي ما تزال تعيق حريتها الكاملة؟
إن اليوم العالمي للمرأة يظل يومًا للمساءلة قبل أن يكون يومًا للاحتفال، ويظل تذكيرًا بأن العدالة الجندرية ليست منحة، بل حقًا تاريخيًا وإنسانيًا لا يكتمل إلا بإعادة بناء الوعي الجمعي على أساس الشراكة لا الهيمنة، وعلى الاعتراف لا الوصاية.
أذار 2026