محاضرة لتحالف ندى حول:المستجدات الدولية والإقليمية وتداعياتها على النساء

 نظم تحالف ندى- لجنة التدريب- محاضرة عبر الزوم بعنوان المستجدات الدولية والإقليمية وتداعياتها على النساء، في ظل مرحلة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، تتسارع فيها التحولات السياسية والاقتصادية، وتتغير موازين القوى والتحالفات، وتتسع دائرة الحروب والصراعات، بالتوازي مع أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، وتراجع في مساحات الديمقراطية والحريات في عدد من دول المنطقة.
 و أطّر المحاضرة كل من  الدكتور جلبير الأشقر والناشطة نعمات كوكو.

 جلبير الأشقر:لعنة النفط هي أصل الحروب والاستبداد واضطهاد النساء في المنطقة العربية

وأكد الأستاذ الفخري في دراسات التنمية والعلاقات الدولية بجامعة لندن (SOAS) الدكتور جلبير الأشقر، أن القاسم المشترك وراء كل أزمات المنطقة الناطقة بالعربية، من حروب واستبداد وتراجع الديمقراطية واضطهاد للنساء، هو كلمة واحدة من ثلاثة أحرف -نفط-.
وأوضح الأشقر، أن الثروة النفطية كانت محط مطامع دولية وكرست هيمنة القوى العظمى، ولا سيما الولايات المتحدة، على المنطقة منذ أكثر من قرن.
وقال الأشقر إن ثروة النفط تفسر كثافة الحروب في المنطقة، بما في ذلك دور الدولة الصهيونية التي تحولت من حليف للإمبريالية البريطانية إلى “كلب حراسة” لمصالح الولايات المتحدة، كما تفسر بقاء المنطقة العربية استثناء استبداديا حتى في زمن التحولات الديمقراطية التي شهدها العالم في الثمانينيات والتسعينيات.
واعتبر أن هذا الاستثناء مرده تحالف واشنطن الوثيق مع المملكة السعودية، التي وصفها بأنها أكثر دول العالم انعداماً للديمقراطية وتشددا دينياً واضطهاداً للنساء، مشيرا إلى التناقض الصارخ بين ادعاء واشنطن بأنها “منارة الحرية” واعتناقها لهذا النظام الرجعي كشريك رئيسي.
وأضاف أن التحالف السعودي-الأمريكي استخدم الإيديولوجية الوهابية المتشددة لمحاربة كل ما هو تقدمي في المنطقة، خاصة في الستينيات ضد الحركة القومية اليسارية ورمزها مصر الناصرية وحلفائها، مما مهد لصعود التيارات الأصولية الرجعية.
وأشار إلى أن هزيمة 1967 على يد الدولة الصهيونية، التي استهدفت مصر الناصرية وسوريا اليسارية، كانت نقطة تحول، لتدخل المنطقة في السبعينيات في “العصر السعودي والعصر النفطي” بعد ثورة أسعار النفط عقب حرب أكتوبر 1973، حيث انتقل النفوذ من مصر إلى السعودية.
وتابع الأشقر أنه من اجتياح الكويت وحرب 1991 وانهيار الاتحاد السوفيتي، دخلت المنطقة في عصر هيمنة أمريكية تميز في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي بنوع من الاستقرار الاستبدادي، بعد مرحلة الانقلابات.
وأكد أن هذه المرحلة شهدت تعميم التحول النيوليبرالي القائم على الخصخصة وتفكيك القطاع العام والانفتاح، وهي عقيدة شبه دينية تقول إن السوق كفيلة بإنجاز المعجزات، لكنها اصطدمت بواقع أنظمة قائمة على المحسوبية والقمع، فتطورت ما سماه “رأسمالية المحاسيب” التي لم تنجز التنمية الموعودة.
وأبرز أن ن الانعكاس الأكبر لفشل النيوليبرالية هو الفشل في خلق شروط الإقلاع الاقتصادي، مما أدى إلى استشراء البطالة وخاصة بطالة الشباب، حتى أصبحت المنطقة ذات أعلى معدلات بطالة الشباب في العالم، وهو عامل أساسي لفهم الانفجار الاجتماعي في 2011.
وقال إن ما سمي بالربيع العربي لم يكن ناتجا عن ظروف ظرفية بل عن أزمة بنيوية عميقة ناتجة عن الجمع بين إصلاحات نيوليبرالية وأنظمة استبدادية مملوكة لعائلات مالكة، سواء ملكية أو جمهورية وراثية مثل نظام الأسد، يسودها الفساد والمحسوبية.
واعتبر أن 2011 كان فاتحة لما أسماه “سيرورة ثورية طويلة الأمد”، دخلت معها المنطقة في معمعة من الانفجارات والحروب الأهلية وحروب الاحتلال مثل حرب الإبادة في غزة والعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وما تشهده المنطقة اليوم من حروب في ليبيا والسودان واليمن وسوريا ولبنان والعراق.
وأعاد سبب الإخفاق الرئيسي إلى ضعف القوى التقدمية والشبابية التي قادت الانتفاضات، مما فسح المجال أمام قوى منظمة وممولة أكثر، وهي قوى المعارضة الإسلامية الرجعية ممثلة في الإخوان المسلمين، التي لم تبادر للانتفاضات لكنها استولت على زمامها وحققت نجاحات سريعة في مصر وتونس قبل أن تصطدم بعجزها عن تقديم بديل اقتصادي وديمقراطي.
وبين أن الأمور تحولت إلى حروب بين معسكرين من قوى مضادة للثورة: قوى النظام القديم ضد قوى الإخوان، ثم تجلت الأزمة في موجة ثورية ثانية في 2019 بدأت في السودان والجزائر والعراق ولبنان، لم تتمكن فيها القوى الدينية من ركوب الموجة بل كانت في جانب الأنظمة.
وأورد أن هذه الموجة اصطدمت بالقمع وجائحة كوفيد، حيث تم قمعها في الجزائر من قبل السلطة العسكرية وفي العراق ولبنان من قبل ميليشيات مرتبطة بإيران، وكان الاستثناء هو السودان حيث بلغ الحراك أكثر أشكال التنظيم تقدما عبر لجان المقاومة وتصدى لانقلاب 2021، قبل أن يغرق في حرب أهلية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع التابعتين لنظام البشير.
وختم  محاضرته بأن  النساء أول من يدفع ثمن الحروب كما يحدث في غزة بكل وضوح، بينما شهدت الانتفاضات ازدهارا ملفتا للدور النسائي في 2011 وكان أوضح في 2019 وخاصة في السودان، لكن هذا الدور يتعاظم في الانتفاضات ويتراجع إلى مأساوية في الحروب الأهلية والردات الاستبدادية.
نعمات كوكو: النساء لسن ضحايا فقط بل فاعلات وصامدات على قيادة النهوض الجماهيري 
بدورها ابرزت الناشطة النسوية والباحثة في الجندر، نعمات كوكو،أن الحروب في المنطقة ما هي إلا آلية لمزيد من القهر والاستبداد وأن القضية المركزية هي غياب الديمقراطية وتراجعها بعد الربيع العربي.
وأكدت أن غياب الديمقراطية والحريات صبّ في صالح مزيد من الهيمنة الأبوية وفرض سياسات ضد حقوق الإنسان وبالتالي ضد حقوق المرأة، محذرة من ضرورة عدم إسقاط تصاعد الدولة الدينية من الحسابات.
وأبرزت أن الربيع العربي خلق مساحة للشباب والنساء للتعبير عن تطلعاتهم المشروعة والمساهمة في تشكيل الواقع الجديد وتغيير البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن هذه المساحة سرعان ما تراجعت مع ظاهرة تضييق المجال المدني والسياسي حتى في الدول التي تدعي الجمهورية والديمقراطية ومنها تونس.
وربطت كوكو بين هذه التحولات وهيمنة السياسات الاقتصادية النيوليبرالية وهيمنة دول البترودولار، معتبرة أن الحروب والنزاعات تعكس تحالفات بين البترودولار والإمبريالية العالمية وتطبيق النيوليبرالية.
وأوردت أن النتيجة الطبيعية لذلك هي زيادة معدلات الفقر في جميع الدول العربية غير النفطية، وتدفع النساء الثمن، خاصة النساء في القطاعات المنتجة، لأن سياسات الاقتصاد الحر أدت إلى انهيار القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية وتنامي القطاع غير المنظم الذي تشكل النساء الفقيرات أغلبيته سواء في الحضر أو الريف، دون حماية أو حقوق اقتصادية واجتماعية.
وأضافت أن تراجع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية انعكس على الحق في التعليم والصحة، وأدى إلى ظاهرة الزواج القسري في دول الحروب والنزاعات، وإلى تراجع الدور الاجتماعي للدولة في الصحة والتعليم ومنظومة الحقوق وخاصة الحق في الصحة الإنجابية، كما حدث في غزة والسودان.
وأكدت أن أكثر الفئات التي تدفع ثمن هيمنة البترودولار وسياسات السوق الحرة هي النساء، حيث تحولت المجتمعات إلى مجتمعات استهلاكية مرتبطة بسوق رأس المال العالمي نتيجة ضرب ممنهج للقطاعات الإنتاجية وضرب الحق في التنمية، حيث توجهت ميزانيات الدول إلى العسكرة وسوق السلاح وأصبحت دولاً مستهلكة للسلاح بدل أن تكون منتجة.
وأوضحت أن الحروب والنزاعات تؤدي دائما إلى تبييد الحق في التنظيم والتعبير والمشاركة، رغم أن مشاركة النساء كانت عالية جدا في الانتفاضات والثورات بما فيها ليبيا واليمن والسودان والصمود في فلسطين، معتبرة أن هذه المشاركة في الفضاء المدني والثوري والديمقراطي مزعجة لمشروع الدولة الدينية التي هي الظل الآمن لقوى الإمبريالية.
وبينت أن الحروب زادت من صعوبة حماية الحقوق في مناطق النزاع، وأدت إلى إضعاف الحركة النسوية والمدافعات عن الحقوق، مستشهدة بظاهرة الاغتيالات الممنهجة للمدافعات في اليمن والعراق وفلسطين، والاختفاء القسري لقيادات نسائية في دارفور بالسودان.
وتابعت أن إعلان حالة الطوارئ في دول الحروب أدى إلى تراجع المساءلة والمؤسسات القضائية والحقوقية، مما أضعف قدرة النساء على التأثير في التشريعات والسياسات وتراجع المساحات الآمنة للحركة النسائية الديمقراطية التي تحتاج إلى فضاء مدني وحوار وبناء تحالفات وإنتاج المعرفة حول حقوق النساء والتطلع لمشروع إقليمي للمساواة.
وختمت كوكو بالقول إن البديل ممكن طالما القرار في يد الجماهير، رغم محاولات الإمبريالية إشعال الحروب، من خلال حصار الحراك الجماهيري والنهوض بالحركة النسائية، مؤكدة أنه لا يمكن حماية حقوق المرأة دون حماية الفضاء الديمقراطي والمدني وانتزاع القضاء المدني لبناء ديمقراطية مستدامة، فالدفاع عن حرية التنظيم والتعبير هو نفسه الدفاع عن حقوق المرأة.
وأشارت إلى أن النساء لسن ضحايا فقط بل فاعلات وقادرات وصامدات على قيادة النهوض الجماهيري، مستشهدة بصمود خرافي للنساء في كل دول المنطقة، قائلة: “لنا المستقبل ومعنا كل القوى الديمقراطية والتقدمية والحركة النقابية والشبابية لبناء روح الإنسانية والكرامة والعدالة والمساواة”.