تحالف ندى ينظم محاضرته الفكرية الثانية بعنوان «فاعلية المواثيق الدولية: القرار 1325 من الضغط إلى المناصرة»
واستهلت زعيتر حديثها بالتأكيد على الأهمية الكبيرة لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325 والقرارات اللاحقة له، معتبرة إياه في سياق النزاعات وما بعدها بمثابة “نهج ثوري”.
وأوضحت أن العالم حقق خطوات هامة على مستوى الاعتراف العالمي بترابط السلم والأمن والمساواة بين الجنسين.
وأكدت أن القرار جاء ليؤكد على حقيقة دامغة بأن تجارب النساء والرجال في الحروب والنزاعات مختلفة تماماً، مشددة على أن القرار يتمتع بصفة الإلزام القانوني بموجب ميثاق الأمم المتحدة، مما يعني عدم جواز تذرع أي دولة بعدم التوقيع عليه أو عدم الانضمام له.
وأشارت المحامية إلى أن القرار يرتكز على محاور أساسية مترابطة ومتقاطعة تشمل: المشاركة، الحماية، الوقاية، والإغاثة وإعادة الإعمار، وهو ما يكتسب أهمية مضاعفة اليوم في ظل تغير طبيعة الحروب وأدواتها، واستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في النزاعات، إلى جانب التذكير بأن العنف الجنسي كان وما زال تاريخياً أداة من أدوات الحرب.
لماذا الحاجة إلى قراءة نقدية للقرار؟
وتساءلت “إذا كنا مقرين بكل هذا، فلماذا نقوم بهذه القراءة النقدية؟”، موضحة أنها لا تدعي تقديم حلول جاهزة، بل تهدف إلى الحث على التفكير بطريقة نقدية بسبب السياق الراهن.
وشددت على أن العالم يمر اليوم بأصعب اللحظات والأزمات المترابطة، في ظل نسق حضاري مهيمن منذ عقود.
وأضافت: “شهدنا إبادة جماعية على الشاشات وكنا نعيش الحدث لحظة بلحظة بشكل غير مسبوق”، مشيرة إلى وجود نزعة متنامية لعسكرة العلاقات الدولية وتحييد منظومة حقوق الإنسان واعتبارها هامشية، إلى جانب استخدام المؤسسات والآليات الدولية واتخاذ مواقف عدائية ضد قضايا حقوق الإنسان.
وحذّرت من الهجمة والخطاب المضاد (Backlash) تجاه حقوق النساء، وتضييق الفضاء المدني دولياً وإقليمياً، مؤكدة أن العالم يعيش شبه حالة فشل في حل الأزمات والنزاعات، رغم الأمل البسيط الذي أنتجته محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
وقالت إن النظام متعدد الأطراف يواجه اليوم أسئلة كثيرة مع انسحاب دول من اتفاقيات وصعود قوى جديدة، ما يضع النساء مجدداً في قلب الأزمة.
تفاقم اللامساواة ومأسسة العسكرة
وتابعت المحامية مشيرة إلى أن اللامساواة تتفاقم اليوم على المستويين الأفقي والعمودي نتيجة تقاطع الأسباب السياسية والثقافية والاقتصادية والدينية والاجتماعية وتواطؤها.
وأوردت أن عام 2024 شهد ذروة النزاعات بوجود 61 نزاعا نشطا على مستوى العالم، ليكون رابع أكثر الأعوام عنفاً منذ نهاية الحرب الباردة، مؤكدة أن هذه الأرقام تترافق مع صورة مأساوية تتجلى في الاستهداف المتزايد للمدنيين وتضاعف أعداد النساء المستهدفات.
ولفتت إلى وجود تباطؤ في تنفيذ أجندة “المرأة والسلام والأمن” وتراجع مشاركة النساء في عمليات السلام، في مقابل ارتفاع غير مسبوق في العسكرة وانخفاض المساعدات الإنمائية.
وأوردت أن إعلان “لاهاي” لحلف شمال الأطلسي (الناتو) لعام 2025 ألزم أعضاءه بمضاعفة إنفاقهم الدفاعي، مما يعكس “مأسسة” لفكرة العسكرة.
وتساءلت المحامية: “من هو المستفيد من تصاعد العسكرة والاستحواذ على القرار السياسي والاقتصادي؟”، مؤكدة أن الإجابة تتضح عند النظر إلى المقاومة داخل الأمم المتحدة لتطبيق أجندة المرأة، وفشل مجلس الأمن في اعتماد قرارات إضافية بسبب استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل الدول الكبرى نتيجة مواقفهم من قضايا الحقوق الجنسية والإنجابية أو مصطلح “المدافعات عن حقوق الإنسان”.
واختتمت بالإشارة إلى وجود “حرب على المصطلحات” ومقاومة لخطاب المساواة تهدف لسحب الأساس القانوني والمرجعيات الدولية، وذلك بالتزامن مع تصاعد الخطاب الشعبوي ضد اللاجئين والمهاجرين والنساء.
تراجع المكتسبات وعجز مجلس الأمن في حماية النساء
وأوضحت زعيتر أنه حتى في الحالات التي تسلمت فيها نساء مقاليد السلطة، شهدت بعض الدول قرارات تراجعت عن مكتسبات حقوقية سابقة، ولا سيما في قضايا الإجهاض.
وأكدت أن كل هذه المعطيات تدفع نحو القراءة النقدية، خاصة وأن مجلس الأمن لم ينجح في حل النزاعات ولا في تنفيذ القرار 1325، وتحديداً في شقه الحمائي؛ مستشهدة بالحروب في السودان ولبنان وغزة التي أودت بحياة نساء بريئات رغم وجود كافة التقارير التي توثق العنف الجنسي واستهداف النساء.
ولفتت إلى أنه بالرغم من كل هذه الأدلة، عجز مجلس الأمن عن تناول انتهاكات القانون الدولي في ظل الاحتلال الإسرائيلي (الحالة الفلسطينية) من منظور نسوي.
أزمة “التمكين” بمعزل عن علاقات القوة، وتفريغ المضمون الحقيقي للقرار 1325
وفي معرض حديثها، لفتت الحقوقية اللبنانية إلى إشكالية جوهرية تتعلق بالتعاطي مع المظلات الدولية مثل القرار 1325، واتفاقية “سيداو”، ومنهاج عمل بيجين؛ حيث يتم التركيز كثيراً على “التمكين السياسي” والسعي لوجود نساء صانعات سلام ومشاركات في صنع القرار، ولكن بمعزل عن تحليل علاقات القوة.
وأوضحت أن هذا النهج يحول “التمكين” إلى مجرد مسار وشكل مجتزأ، بل وتوظيف الحركة النسوية لخدمة مشاريع سياسية واقتصادية معينة، بدلاً من أن تكون أدوات حقيقية لدعم نضال النساء.
وأردفت بالقول إنه نتيجة لذلك، يتحول القرار 1325 إلى مجرد محطة سنوية تُحتفى بها في شهر أكتوبر من كل عام بأشكال روتينية واحتفالية، بعيداً عن جوهرها التغييري الحقيقي.
سؤال الحقوق، واستعادة النسوية الجذرية، ومواجهة تجزئة القضايا
وتابعت طرح تساؤلاتها بالقول إنه يتعين التساؤل إلى أي مدى تعمل الحركات النسوية مع النساء باعتبارهن أصحاب حقوق حقيقيات، وبعيداً عن استحواذ النخبة على قضاياهن.
وأشارت إلى أن هذه التحديات البنيوية تطرح على الحركة النسوية تساؤلات جوهرية حول فعالية المواثيق الدولية وكيفية ترجمتها وتطبيقها على أرض الواقع، سواء عبر تقديم الخدمات، أو من خلال العمل على المستويات الوطنية للضغط والمناصرة من أجل اعتماد قوانين وسياسات محددة.
وشددت على ضرورة إعادة الاعتبار لنسوية تبدأ من الأسفل إلى الأعلى، بحيث تتحدث مع النساء لا عنهن، وتعكس واقع جميع النساء دون استثناء.
كما أكدت على أهمية إعادة تأسيس مفهوم “التقاطعية” بوصفه نهجاً يساعد في فهم كافة علاقات القوة والاضطهاد التي تواجهها النساء – وليس فقط من يشبهنهن – انطلاقاً من حقيقة أن النساء لسن مجموعة متجانسة.
ولفتت إلى أن السلطات والحكومات تعتمد دائماً منطق التجزئة والقطاعات وفصل الأولويات؛ ورغم أنه ليس مطلوباً العمل على كل شيء في آنٍ واحد، إلا أن الحاجة ملحة لامتلاك رؤية متكاملة لترابط هذه القضايا، بما يسمح بإنتاج خطاب غير مجزأ أو مفتت.
https://www.facebook.com/share/v/1HcidTjkew/