“العاملات والعمال في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: بين وعود الأول من أيار وواقع الحروب والرأسمالية المتوحشة”
بمناسبة اليوم العالمي للعمال – 1 أيار 2026
في الأول من أيار، الذي يُفترض أن يكون يومًا للاحتفاء بإنجازات الطبقة العاملة، نقف اليوم في منطقتنا أمام حقيقة أكثر قسوة وحدّة. حقيقة تُظهر تصاعد معاناة الطبقة العاملة، وفي القلب منهنّ النساء، خاصة القطاع غير المنظم، تحت وطــأة حروب مدمّرة وسياســات رأسمالية جشعة، وأنظمة لا ترى في الإنســــان سوى رقـــم يُستنزف في معادلات الربح والاستغلال.
في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تعيش الطبقة العاملة أوضاعًا خانقة. ففي غزة، واليمن، والسودان، ولبنان، وسوريا، والعراق، وليبيا، وغيرها من بؤر النزاع، تتحمّل الطبقة العاملة الكلفة الأكبر للحروب. لم تكتفِ هذه الحروب بهدم البيوت، بل دمّرت سبل العيش، وأغلقت المصانع، ودفعت بالنساء إلى خطوط المواجهة اليومية مع الفقر، حيث يتحمّلن أعباء الإعالة في غياب أي أمان وظيفي أو حماية اجتماعية.
وحتى خارج مناطق الحروب المفتوحة، لا تقلّ المعاناة حدّة. تواجه العاملات أجورًا متدنية لا تواكب تكاليف الحياة، وحرمانًا شبه كامل من الحقوق الأساسية، من إجازات الأمومة إلى التأمين الصحي، وصولًا إلى الحماية من الفصل التعسفي بسبب الحمل. وتُدفع الأيدي العاملة إلى بيئات عمل غير آمنة في الزراعة والصناعة والخدمات، حيث يتفاقم التحرش والاستغلال. وفي قلب هذا كله، تتحمّل المرأة عبء العمل المأجور وغير المأجور معًا، من دون أي دعم مؤسساتي، لتجد نفسها أمام خيارات قاسية بين صحتها وكرامتها وحقها في العيش.
لقد أثبتت الحروب في منطقتنا أنها ليست طارئة، بل أداة ممنهجة لتفكيك الطبقة العاملة وتجويعها. وكانت النساء في صدارة المتضرّرات، خصوصًا في القطاعات التالية:
- القطاع الزراعي: تدمير الأراضي، تهجير الفلاحات والفلاحين، والاستيلاء على الموارد.
- القطاع التنموي: إغلاق المؤسسات وتجميد المشاريع، وخسارة آلاف الوظائف، خاصة للنساء.
- القطاع الصناعي: نهب المصانع، تعطيل الإنتاج، ودفع العاملات والعمال نحو النزوح أو البطالة.
إن هذا الواقع ليس معزولًا، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية واجتماعية تعمّق اللامساواة. فقد انحازت تشريعات عديدة إلى رأس المال عبر الخصخصة، وتشجيع الاحتكار، ورفع الرقابة عن الأسواق، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتآكل الأجور. كما أدّى تفكيك أنظمة الضمان الاجتماعي وخصخصة الصحة والتعليم إلى تحميل العائلات العاملة، وخاصة النساء، أعباءً مضاعفة، في ظل غياب أي سياسات عادلة لإعادة توزيع الثروة.
وفي سياق عالمي مقلق، يتزامن هذا التدهور مع صعود تيارات يمينية محافظة ودينية في عدة بلدان، تعمل على تمرير مقترحات قوانين وتشريعات تتراجع عن مكتسبات النساء التاريخية. هذه السياسات لا تعترف بالحقوق الكاملة للنساء، بل تشرعن للفكر الأبوي، وتدفع نحو إقصائهن من الفضاء العام وإعادتهن إلى أدوار نمطية ومغلقة. كما يتجلى هذا التراجع في تقليص أو إضعاف الخدمات الصحية المرتبطة بالحقوق الجنسية والجسدية، بما يمسّ بكرامة النساء وحقهن في الخصوصية واتخاذ القرار بشأن أجسادهن.
ويتعمّق هذا المسار مع تفشّي ظاهرة تأنيث الفقر التي تضرب مختلف القطاعات، العامة والخاصة، فتؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للنساء. فالنساء هنّ الأكثر تضررًا من البطالة، ومن أشكال القهر الاجتماعي، ومن التمييز في الأجور، وفي فرص الوصول إلى المرافق العمومية والخدمات الصحية وشروط السلامة المهنية. كما يتحمّلن أعباء مضاعفة من خلال العمل غير المدفوع في الرعاية، خاصة في المجال الصحي والأسري، في ظل غياب الاعتراف بهذه المساهمات أو إدماجها في السياسات الاقتصادية.
ويُفاقم هذا الوضع غياب إدراج مقاربة النوع الاجتماعي في إعداد ميزانيات الدولة، مما يؤدي إلى سياسات عمومية غير عادلة تعيد إنتاج التمييز بدل معالجته، وتُبقي النساء في موقع الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
والنتيجة واضحة: اتساع الفجوة الطبقية، تفشي الفقر، وتزايد أعداد العاملات والعمال المهمّشين، مع تدهور مضاعف في أوضاع النساء.
انطلاقًا من هذا الواقع، نؤكد، كمنظمات نسوية (عضوات تحالف ندى الاقليمي)، على مطالبنا التالية:
- مناهضة السياسات الرأسمالية الاحتكارية وتحرير الاقتصادات من هيمنة الشركات الكبرى.
- الوقف الفوري للحروب التي تُستخدم كأدوات لنهب الموارد وسلب الشعوب حقوقها.
- التصدي للتشريعات الرجعية التي تنتقص من حقوق النساء، وضمان مواءمة القوانين مع مبادئ المساواة والعدالة الجندرية.
- حماية وتعزيز الحقوق الجنسية والجسدية للنساء، وضمان خدمات صحية شاملة، مجانية، وآمنة تحترم الكرامة والخصوصية.
- تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية تقوم على التوزيع العادل للثروات وفرض ضرائب تصاعدية على الأرباح الكبرى.
- ضمان حماية اجتماعية شاملة، وتحسين شروط العمل، وسنّ قوانين تضمن المساواة في الأجور، والحماية من التمييز والعنف، وإجازات أمومة مدفوعة.
- الاعتراف بالعمل غير المدفوع في الرعاية، والعمل على تقاسمه مجتمعيًا ومؤسساتيًا.
- إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات العامة وميزانيات الدولة لضمان عدالة حقيقية في توزيع الموارد.
في هذا اليوم، يوجّه تحالف ندى الاقليمي نداءً واضحاً إلى الحركات النسوية، والنقابات المستقلة، والمنظمات الحقوقية وكل القوى المدنية الديمقراطية في منطقتنا والعالم: لنوحّد نضالاتنا، لنكسر عزلة العاملات والعمال في مناطق الحروب، ولنُشيّد جبهة نضالية واسعة في مواجهة منطق الربح على حساب الكرامة الإنسانية.
إن نضالنا النسوي هو نضال تحرّري شامل، يتقاطع مع النضال الطبقي ضد كل أشكال الاستغلال والتهميش.
لا شيء يُنتزع دون نضال، واليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى نضال جماعي صلب.
عاشت نضالات الطبقة العاملة في كل مكان.
عاش النضال من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة الإنسانية.
تحالف ندى
((التحالف النسائي الديمقراطي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)
30 – أيار –