فاطمة أحمد إبراهيم: كانت ضيفة دائمة على المعتقل

(تحالف ندى)

 

من هي؟

فاطمة أحمد إبراهيم من مواليد عام 1932 أم درمان، أصدرت مجلة “صوت المرأة” عام 1955 التي أسهم في تأسيسها عدد من أعضاء الاتحاد النسائي وأصبحت رئيسة تحريرها، وهي من أبرز العاملات في الحقل النسائي السوداني، وقد عملت في الاتحاد النسائي وتولت رئاسته بين 56 إلى 1957، وعملت في التدريس كما اشتركت في تكوين هيئة نساء السودان.

هي أول سودانية تتمتع بعضوية الجهاز التشريعي بالبلاد حيث فازت في دوائر الخريجين في انتخابات عام 1965، ولها كتابات ومقالات كثيرة في موضوعات المرأة، صدر لها كتاب “طريقنا للتحرر” عام 1966 وعدد من المؤلفات.

في عام 1991 اختيرت رئيسة للاتحاد النسائي الديموقراطي العالمي، فكانت أول مرة تنتخب فيه امرأة عربية إفريقية ومسلمة ومن العالم الثالث، في عام 1993 حصلت على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، كما منحتها جامعة كاليفورنيا دكتوراه فخرية عام 1996 لجهودها في قضايا النساء ومكافحة استغلال الأطفال. هي أرملة الشفيع أحمد الشيخ، أحد أبرز قيادات الحزب الشيوعي السوداني الذي أعدمه الرئيس جعفر النميري في يوليو/تموز 1971 بعد مشاركته في محاولة انقلاب. توفيت عام 2017.

نضالها الطويل

وصلتْ فاطمة إلى لندن لإجراء عملية بعد سنوات من الاحتجاز والاعتقال، وحجب الحقوق المدنية والسياسية، بعيد استشهاد زوجها الشفيع أحمد الشيخ، إثر فشل انقلاب هاشم العطا، حيث أعدم الرئيس الأسبق جعفر النميري قادة حركة الانقلاب، بمن فيهم قادة الحزب الشيوعي، فشنّ حملة شعواء ضد الشيوعية، وإعدام الشفيع أحمد الشيخ زوج فاطمة أحمد إبراهيم، وهو مناضل عمالي معروف، كان رئيساً للاتحاد العمالي في السودان ونائباً لرئيس اتحاد العمال العالمي.

إثر المجازر ضد الشيوعيين السودانيين عُقد اجتماع حاشد في براغ في فعالية تضامنية، حيث  لم يكن مسموحاً لفاطمة إبراهيم مغادرة السودان، ووضعت قيد الإقامة الجبرية لمدة عامين ونصف العام، وتعرضت للاعتقال أكثر من مرة، لدرجة أنها كانت ضيفة دائمة على المُعتقل.

قال عنها الرئيس الأسبق جعفر النميري في حينها، تعبيراً عن نهج الحقد والانتقام بعيد اعتقالها: “لقد تم اعتقال هذه المرأة أم اللسان الطويل التي هاجمتني وشتمتني”، متوعدا بتقديمها إلى “محكمة طوارئ عسكرية ليقذفوا بها في السجن إلى مدى الحياة، إلى أن تموت”.

بعد الاعتقالات في بلدها السودان، جرت محاولة استدراجها من جانب جعفر النميري وجلاوزته، لإضعاف موقفها بالتأثير في صمود زوجها، حيث واجهت ذلك ببطولة نادرة. روت قصتها المثيرة مع النميري، وجزءًا من التعذيب، خلال ندوة في  إطار “المنظمة العربية لحقوق الإنسان”، التي كان يترأسها الدكتور عبدالحسين شعبان في لندن 1992. فقالت “خلال تعذيب الشفيع في معسكر الشجرة، تم إخطاري بالذهاب إلى المعسكر أنا وولدي أحمد لتطلب من النميري إيقاف تعذيبه ومنع إعدامه، وكان الغرض واضحاً وهو التنكيل بي وبإبني أمام الشفيع حتى ينهار، لأن التعذيب لم يهدّه، بل واجهه بشجاعة منقطعة النظير. وكان جوابي “الشفيع لم يرتكب جرماً، ولم يعرف الخيانة طيلة حياته، وأخطِروا الديكتاتور السفاح النميري أنني لن أستجديه لو قطع الشفيع إرباً أمامي، ولو قطعني إرباً، سأبصق بوجهه قبل أن يبدأ بتقطيعي، وخيرٌ للشفيع أن يموت مقطوع الرأس من أن يعيش وهو مُنكّس الرأس”. وأضافت: “لقد كان قلبي يقطر دماً”، وواصلتْ حديثها: “لقد جاءت عربة فيها جنود لاعتقالي، فأخذتُ أهتف ضد القتلة المجرمين”.

فقد أدركت بسليقتها الثورية أنهم نفذوا فعلتهم النكراء وأعدموا الشفيع، فاقتادوها إلى مركز شرطة أم درمان، ثم اتخذوا قرار بحبسها في منزلها (إقامة جبرية) مثلما حصل مع نساء الشهداء الآخرين.

بعد سنوات من رئاستها اتحاد النساء الديمقراطي العالمي، أصبحتْ فاطمة رئيسة له بعد اجتماع مانشستر عام 1991. كانت مميزة بتحليلاتها واستنتاجاتها واعتدالها، خصوصاً أن الحركة الشيوعية العالمية كانت في حالة انحسار وتراجع، بل تقهقر. وكانت تشكو من أزمة اليسار الخاصة والعامة، وبيروقراطية المنظمات الدولية، التي أُطلق عليها إسم “ديموقراطية”، وتبعيتها وازدواجية معاييرها أحياناً، وفساد بعض حواشيها، وعدم تقديرها لواقع بلادنا، وتلك مسألة شملت الطلبة والشبيبة والمرأة واتحاد الصحافيين العالمي ومجلس السلم العالمي وغيرها.

تنتسب فاطمة إلى عائلة دينية، فجدّها لوالدها كان قاضياً في عهد المهدي قبل الاستعمار، وجدّها لأمها كان نائبا له، أما والدها فكان متعلماً، ونشأت في بيت يهتم بالعمل والعلم. جدها لأمها قام بخطوة جريئة، حين أدخل أمها وأخواتها في المدرسة الوحيدة للبنات في السودان التي كان هو مديرها، ثم ألحقهن بمدرسة الإرسالية الإنكليزية الوسطى للبنات في مدينة الخرطوم، وهكذا أصبحت والدتها أول امرأة سودانية تتحدث الإنكليزية.

فالكثير من أبناء العوائل الدينية انخرطوا في التيار اليساري، وكان الكثير منهم يشاركون في المناسبات الدينية، نظراً لرمزيتها، وذلك في فترة الأربعينيات والخمسينيات في نوع من المصالحة مع المزاج الشعبي، فالكثير من القيادات الشيوعية السودانية كانت تؤدي الفرائض الدينية، وهو ما عزز من تغلغل الحزب الشيوعي السوداني في الأوساط الشعبية الكادحة.

عام 1966 تزوجت من الشفيع أحمد وأنجبت منه ولداً وحيداً هو”أحمد”، أُعدم زوجها بعد خمسة أعوام فقط. عن زوجها قالت إنه سُجن في جميع العهود: في عهد الانتداب البريطاني، وفي زمن الجنرال عبود، ثم أعدم في ظل نظام جعفر النميري.

وكانت فاطمة إبراهيم قد انضمت إلى الحزب الشيوعي السوداني عام 1954 وأصبحت بعد فترة عضواً في اللجنة المركزية، كما ترأست الاتحاد النسائي عام 1956-1957 وأصدرت مجلة باسم “صوت المرأة” التي رأست تحريرها.

تُعتبر فاطمة إبراهيم أول سيدة تُنتخب عضوا في البرلمان بعد انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1964، حيث جرت الانتخابات في مايو/أيار 1965 وبفضل جهودها وجهود الحركة النسائية واليسارية نالت المرأة السودانية بعض الحقوق منها، الحق في الانتساب للقوات المسلحة وجهاز الشرطة وممارسة القضاء والأعمال التجارية، كما تم إلغاء ما يسمى “بيت الطاعة” الذي هو دليل انصياع وتسيّد.

تمتاز فاطمة بحفظ الشعر، وهي شقيقة الشاعر المعروف صلاح أحمد، الذي ترك موقعه كسفير في الجزائر ليعقد مؤتمراً صحافياً يُندد فيه بسياسات النميري واضطهاده للشيوعيين، وانتقل على إثر ذلك إلى باريس، وقد توفي عام 1993. وقد حزنت فاطمة جدا لرحيله.

كانت فاطمة قد تفرغت في التسعينيات للعمل النسائي والحقوقي، وكرست جلّ جهودها لهذا الميدان، وقد قررت العودة إلى الخرطوم في عام 2006 بُعيد الاتفاق الذي تم بين الحكومة السودانية برئاسة عمر البشير، والتجمع الوطني السوداني المعارض، ولكن الأمور لم تكن سهلة، فقد تصدّع الاتفاق بعد فترة وجيزة من التوقيع عليه، وعادت الأوضاع إلى مواقعها القديمة، حيث استمر نهج الاستبداد السياسي والديني الذي شرّعه النميري قبل الانقلاب عليه، وواصلته الحركة الانقلابية التي كان مُنظرّها حسن الترابي وجنرالها عمر البشير.

حضرت أكثر من مرة لحضور فعاليات “المنظمة العربية لحقوق الإنسان” في لندن، و في عام 1992 تناولت واقع التعذيب في العالم العربي، بحضور العراقية فاطمة الطالقاني التي أفصحت للمرة الأولى عن جزء مما تعرضت له من تعذيب في العراق أيضا خلال حكم صدام حسين.

نالت فاطمة إبراهيم عام 1993 جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومُنحت دكتوراه فخرية من جامعة كاليفورنيا 1976، كما حازت جائزة مؤسسة ابن رشد (ألمانيا).

وفاتها

توفيت فاطمة فجر يوم السبت في الثالث عشر من أغسطس/آب عام 2017 بالعاصمة البريطانية لندن عن عمر ناهز خمسٍ وثمانين عاماً بعد صراع طويل مع المرض، وبعد سنوات طويلة من النضال على المستوى الاجتماعي والثقافي والسياسي. نعتها الجالية السودانية في لندن ونعاها أيضا الحزب الشيوعي واصفاً إياها بـ”المناضلة الراحلة”. كما تم تشييعها إلى مثواها الأخير وسط حشود جماهيرية ضخمة، ومنعت الحشود الغاضبة مشاركة مسؤولين من الحكومة السودانية مثل بكري حسن صالح نائب رئيس جمهورية السودان وعبد الرحيم محمد حسين والي ولاية الخرطوم. ودُفنت فاطمة في مقابر البكري بمدينة أم درمان.

 

مؤلفاتها

– طريقنا للتحرر عام 1966.

– حصادنا خلال عشرين عاماً.

– المرأة العربية وصور التغيير الاجتماعي.

– حول قضايا الأحوال الشخصية.

– قضايا المرأة العاملة السودانية.

– آن آوان التغيير ولكن..!

– أطفالنا والرعاية الصحية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.