“من سنجار إلى العالم – إبادة مستمرة وعدالة لا تسقط بالتقادم”

بيان تحالف ندى في الذكرى السنوية لمجازر المجتمع الايزيدي في شنغال.
“من سنجار إلى العالم – إبادة مستمرة وعدالة لا تسقط بالتقادم”
نحو اعتراف دولي شامل ومحاسبة حقيقية لجرائم الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين

الى الرأي العام والمناضلين/ات والديمقراطيين/ات
في الثالث من آب/أغسطس 2014، شهد العالم واحدا من أبشع الفصول الإنسانية في العصر الحديث، حين ارتكب تنظيم “داعش” الإرهابي جريمة إبادة جماعية ممنهجة بحق المجتمع الإيزيدي، طالت الآلاف من الأرواح، واستهدفت بشكل خاص المرأة الإيزيدية. لم تكن تلك الجريمة مجرد هجوم عسكري عابر، بل كانت “فرمان إبادة” (Jenosîd) موجهاً ضد الإنسانية، عبر ما يمكن وصفه بـ “الإبادة النسائية” ، حيث استهدفت النساء لمحو المجتمع الايزيدي، وجرى بيعهن في أسواق النخاسة، وتعرضن لأبشع أشكال الاغتصاب والعنف النفسي والجسدي، بينما شُرد عشرات الآلاف، ودُمّرت القرى والبلدات، وطُمست المقدسات.
بمرور اثنا عشرة عاما لا تزال جروح المجتمع الإيزيدي مفتوحة على مصراعيها، ولا تزال آلاف العائلات تنتظر أخبار مفقوديها، وأعداد الناجيات والناجين تعيش أوضاعاً إنسانية صعبة، وسط تقاعس دولي وإقليمي ومحلي عن تحمّل المسؤوليات الأخلاقية والقانونية والتاريخية.
أقرّت التقارير الأممية والأوروبية والدولية المتخصصة، ومن بينها تقارير الأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان، بأن ما جرى في شنغال (سنجار) عام 2014 يستوفي جميع شروط جريمة الإبادة الجماعية وفقاً لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948. حتى اليوم، اعترفت 19 دولة رسمياً بهذه الجريمة كإبادة جماعية، إضافة إلى العديد من المؤسسات والهيئات الدولية، فيما لا يزال العراق – كدولة واقعة عليها الجريمة – متردداً في الاعتراف الكامل والفعلي، وهو إهمال يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، ويحول دون تحقيق العدالة الانتقالية، ويترك جرحاً مفتوحاً في وجدان المجتمع الإيزيدي.
لا يمكن القول إن الإبادة قد انتهت بزوال التنظيم، بل إنها مستمرة بأشكال جديدة وممنهجة، تتمثل في:
– غياب العدالة: استمرار عدم محاسبة الجناة والمرتكبين لجرائمهم، عبر القضاء الوطني أو الدولي، رغم توفر الأدلة والشهادات والمقابر الجماعية، مما يعيد إنتاج الصدمة ويضاعف المعاناة.
– إخفاء مصير المفقودين والمفقودات: لا يزال أكثر من 2700 شخص من الإيزيديين، غالبيتهم من النساء والأطفال، في عداد المفقودين، دون أي كشف عن مصيرهم، أو أي جهة وطنية دائمة تتابع هذا الملف بجدية، في وقت تعيش عائلات هؤلاء المفقودين ألماً مزمناً ويوماًياً، وتفتقر إلى الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي
– التشريد المستمر وإفراغ سنجار: عشرات آلاف العوائل لا تزال عالقة في مخيمات النزوح، ولا توجد خطة شاملة لإعادة الإعمار أو العودة الآمنة والطوعية والكريمة.
– التهميش: تعاني الناجيات والناجون من غياب الرعاية الكافية، ومن عدم تفعيل القوانين الخاصة بهم، مثل قانون الناجيات الإيزيديات رقم (😎 لسنة 2021، ولم تُزال عوائق البيروقراطية في تطبيقه، كما تتعرض الناشطات والناشطون في قضايا الإبادة للتهديد والمضايقة.
إن الإبادة التي وقعت بحق الإيزيديين لم تكن وليدة لحظة، بل هي نتاج تراكم تاريخي طويل من خطابات الكراهية والتكفير، والتهميش السياسي والاجتماعي، والقمع الأبوي، وسيطرة السلطات الذكورية، والتفسيرات الدينية المتطرفة، مع صمت مجتمعي طويل الأمد ومتواطئ، وإفلات مستمر من العقاب. وما لم يتم تفكيكها ومعالجتها جذرياً، فإن خطر تكرار المأساة سيبقى قائماً، ولو بأشكال وأدوات مختلفة. إن العنف ضد المرأة الإيزيدية، وتحديداً استهدافها كقيمة وجودية ورمزية للجماعة، يعكس أزمة مجتمعية أوسع في التعامل مع النساء والهويات والتنوع، ويؤكد أن حماية المرأة وحماية المجتمعات المهددة وجهان لعملة واحدة.
انطلاقاً من مسؤوليتنا الإنسانية والتاريخية والأخلاقية، وإيماناً منا بأن “العدالة لا تسقط بالتقادم”، فإننا، تحالف “ندى” نتضامن مع الحملة الدولية التي انطلقت في 17 تموز بمبادرة مؤسسات نسائية في شنغال تحت شعار: “من أجل العدالة والحرية – كن أنت أيضاً صوتاً لأسيرات الإبادة”.
نناشد السلطات العراقية والقوى الوطنية والإقليمية، والمجتمع الدولي، وهيئات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومنظمات حقوق الإنسان، والمؤسسات الإعلامية، وكل من يؤمن بقيم المساواة والديمقراطية والكرامة الإنسانية، بالوقوف بجدية ومسؤولية، والاستجابة للنداء، والعمل الفوري على تحقيق المطالب التالية:
1- الاعتراف الكامل وغير المشروط بإبادة الإيزيديين كإبادة جماعية
2- تفعيل وتوسيع قانون الناجيات، وتذليل كل العقبات البيروقراطية والإدارية أمام تطبيقه، وضمان حصول جميع الناجين والناجيات على التعويضات والرعاية النفسية والصحية والاجتماعية والقانونية المستحقة، ومكافحة الإفلات من العقاب عبر تفعيل آليات العدالة الانتقالية والمحاكمات الوطنية والدولية.
3- الكشف عن مصير المفقودين والمفقودات: تشكيل لجنة وطنية دائمة ومختصة، بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والجهات المختصة.
4- فتح المقابر الجماعية وإنصاف الضحايا: فتح وتوثيق جميع المقابر الجماعية، واستخراج الرفات، وتحديد الهوية، ودفن الضحايا بما يليق بهم كشهداء وشهيدات.
5- إعادة الإعمار والعودة الآمنة: إطلاق خطة شاملة وممولة لإعادة إعمار شنغال (سنجار) والمناطق المتضررة.
6- محاسبة الجناة والمتورطين: العمل على محاكمة جميع مرتكبي جرائم الإبادة بحق الإيزيديين، داخل العراق وخارجه، وقطع الطريق أمام أي محاولات لتبرئة المجرمين أو التعتيم على جرائمهم.

إن صمود المجتمع الإيزيدي اليوم، وعدم تخليهم عن قضيتهم رغم كل التحديات، هو انتصارٌ للإرادة الإنسانية على الظلم والإرهاب. وإننا، إذ نرفع أصواتنا لنؤكد أن هذه القضية هي قضية كل إنسانٍ حر يؤمن بالعدالة والكرامة. لن نصمت، حتى يعاد الحق إلى أهله وتطوى صفحات الظلم ، فلا تتعرض أي امرأة أو مجتمع لما تعرضت له المرأة الايزيدية.
– الخلود لأرواح شهداء وضحايا إبادة شنغال (سنجار).
– العدالة لا تسقط بالتقادم.

تحالف ندى (التحالف النسائي الديمقراطي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا)